ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها ، وراقبوها وعرفوا أحوالها ، وتكلموا على أحوال القلوب كلاماً مفصلاً كما هو معلوم ، كعبد الرحمن بن عطية ، أو ابن أحمد بن عطية ، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني ، وكعون بن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة ، وأضرابهما ، وكسهل بن عبدالله التستري ، أبي طالب المكي ، وأبي عثمان النيسابوري ، ويحيى بن معاذ الرازي ، والجنيد بن محمد ، ومن سار على منوالهم ، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا يحيدون ع ن العمل بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً ، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه ، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله لعيه وسلم. فمن كان منهم متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ، وهديه وسمته ، كمن ذكرنا وأمثالهم ، فإنهم من جملة العلماء العاملين ، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال. وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال.
نعم ، صار المعروف في الآونة الأخيرة ، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء ، أن عامّة الذين يدعون التصوف.
في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم ، ليتخذوا بذلك أتباعاً وخدماً ، وأموالاً وجاهاً ، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق ، لا يعلمون بكتاب الله ولا بسنة نبيه ، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم ، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه ، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق ، ولقد صدق من قال:
إذا رأيت رجلاً يطير... وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف عند حدود الشرع... فإنه مستدرج أو بدعي