52 - {قَالَ} موسى مجيبًا له، {عِلْمُهَا} ؛ أي: علم أحوال تلك القرون كائن {عِنْدَ رَبِّي} ؛ أي: من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله، ولا ملابسة للعلم بأحوالهم بمنصب الرسالة، فلا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور المتعلقة بما أرسلت {فِي كِتَابٍ} ؛ أي: مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله {لَا يَضِلُّ رَبِّي} ؛ أي: لا يخطئ ابتداءً، بل يعلم كل المعلومات، ولا يخفى عليه شيء منها {وَلَا يَنْسَى} ؛ أي: ولا يسهو عن شيء منها بقاءً ودوامًا، بل هو ثابت عنده أبدًا، وهو لبيان أن إثباته في اللوح المحفوظ، ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداءً وبقاءً، وإنما كتب أحكام الكائنات في كتاب ليظهرها للملائكة، فيزيد استدلالهم بها على تنزه علمه تعالى عن السهو والغفلة.
والضلال: أن تخطئ الشيء في مكانه، فلم تهتد إليه، والنسيان: أن تغفل عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، وقال مجاهد: معنى الجملتين واحد، وهو إشارة إلى أنه لا يعرض في علمه ما يغيره، وقال ابن جرير: لا يخطئ في التدبير، فيعتقد في غير الصواب صوابًا، وإذا عرفه لا ينساه.
ومعنى الآية: أي إن ذلك من علوم الغيب، التي لا يعلمها إلا الله، فهو الذي ضبط أعمالهم، وأحصاها في كتاب لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته شيء، لا كبير ولا صغير، ولا ينسى شيئًا، وسيجزيهم بما عملوا جزاءً وفاقًا.
وقصارى ذلك: أن علمه تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا ينسى شيئًا - تبارك وتعالى - فعلمه ليس كعلم المخلوقين، الذي يعتريه النقص من وجهين: عدم الإحاطة بالأشياء، ونسيانها بعد علمها.
وقرأ الحسن، وقتادة، والجحدري، وحماد بن سلمة، وابن محيصن، وعيسى الثقفي: {لا يضل} بضم الياء؛ أي: لا يضل الله ذلك الكتاب، فيضيع، ولا ينسى ما أثبته فيه، وقرأ السلمي: {لا يضل ربي ولا ينسى} مبنيتين للمفعول، والظاهر: أن الجملتين استئناف وإخبار عنه تعالى، بانتفاء هاتين الصفتين عنه، وإجمال سؤاله، أنه إذا كان الأمر كما ذكرت .. ففصل لنا حال الماضين من سعادةٍ وشقاءٍ, فرد - عليه السلام - عليه: بأن علم ذلك إلى الله تعالى،