من كلام موسى عليه السلام عند ما سأل الله أن يؤيده بأخيه نفهم أدب الأخوة في الله، والغاية منها، فالأدب شد الأزر، والاشتراك في الأمر، والهدف ذكر الله، وتسبيحه، فما لم يتحقق بالأخوة كثرة الذكر، لا تكون أخوة خالصة في الله، وإذا كان لها هدف آخر غير ذلك فليست أخوة في الله. ولنعد إلى السياق:
فبعد أن من الله عزّ وجل على موسى بإعطائه سؤله ذكره بنعمه عليه من قبل؛ لتبقى ثقته بالله مطلقة فيما يأتي، لأنه بدون الثقة المطلقة بالله لا يستطيع رجل الدعوة أن يستمر. فقال: وَلَقَدْ مَنَنَّا أي أنعمنا عَلَيْكَ مَرَّةً أي كرة أُخْرى أي قبل هذه،
ثم فسرها فقال: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ إلهاما أو مناما حين ولدت وكان
فرعون يقتل أمثالك ما يُوحى
وقد فسر ما يوحى بقوله أَنِ اقْذِفِيهِ أي ألقيه فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ أي في النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي بجانب النهر يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي حببتك إلى عبادي أو جعلت فرعون يحبك وهو عدوك وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربى بمرأى مني، يعني: أنا راعيك ومراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به، وقد نقل ابن كثير في معناها عن الجوني: «أنه ولتربى بعين الله» قال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية:(إن موسى - عليه والسلام - ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار. إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان. إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر. ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم، وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص، فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلا من التهيؤ والاستعداد. وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد. وأنه صنع على عين الله منذ زمان، ودرب على المشاق وهو طفل رضيع، ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير
ضعيف وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون، ... فلا عليه اليوم من فرعون، وقد بلغ أشده، وربه معه، قد اصطنعه لنفسه، واستخلصه واصطفاه.).