وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم ، لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممتوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في {لا يملكون} راجعة إلى {المجرمين} فالاستثناء منقطه و « من » في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يملكون الشفاعة ، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكون الشافعون بما ذكرنا ويستحقها به المشفوع لهم ، قال تعالى: {مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ، وقال: {وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى} [النجم: 26] .
وقال بعض أهل العلم: الواو في قوله {لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة} راجعة إلى « المتقين والمجرمين » جميعاً المذكورين في قوله {يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً} [مريم: 85 - 86] وعليه فالاستثناء في قوله {إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} : متصل. و {من} من بدل من الواو في « لا يملكون » أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً وهم المؤمنون. والعهد: العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدهل في ذلك. أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض. كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109] . وقد بين تعالى في مواضع اخر: أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة ، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك ، وهو قوله تعالى: