يقول: كيف لا تعبد من إذا دعوته سمع، وإذا عبدته أبصر، ونصرك إذا احتجت إليه وسألته، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ...(43)
أي: من بيان ما يحل بك بعد الموت، إذا مت على ما أنت عليه، (مَا لَمْ يَأْتِكَ) ذلك (فَاتَّبِعْنِي) إلى ما أدعوك إليه من دين اللَّه، (أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) ، أي: دينًا عدلًا سَوِيًّا قيمًا لا عوج فيه، فهذا يدل منه أنه قد أوحى إليه في ذلك الوقت، ويشبه أن يكون عرف ذلك استدلالًا منه واجتهادًا على غير وحي، كقوله: (هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ) ، حتى انتهى إلى قوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) ، وكل ذلك كان له من اللَّه؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44) هم لم يكونوا يعبدون الشيطان عند أنفسهم، ولكن يحتمل إضافة عبادتهم إلى الشيطان وجوهًا:
أحدها: أن الأصنام التي عبدوها كانت لا تأمرهم بالعبادة ولا تدعوهم إليها ثم عبدوها، فإنما عبدوها بأمر الشيطان وبدعائه إياهم، فأضاف ذلك إليه للأمر الذي كان منه بذلك.
والثاني: ذكر أن الشيطان كان ينطق من جوف الصنم، فعبدوها لكلامه، فكأنهم عبدوا الشيطان، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنِّي أَخَافُ) : أي: أعلم أنه يمشك عذاب من الرحمن لو دمت على الكفر وختمت به، فإن كان تأويله العلم فهو على هذا الشرط يخرج.