قَالَ: وَكَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِهِ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي آخَرُ:
[البحر الكامل]
وَإِذَا ضَجَرْتُ بِوَحْدَتِي فَمُؤَانِسِي ... هُوَ وَحْشَتِي حَتَّى يَقُومَ الْقَاعِدُ
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ:: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّحْوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الرِّيَاشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ:"سَأَلَنِي الرَّشِيدُ عَنْ أَعْرَابِ الْبَادِيَةِ، وَعَنْ أَخْبَارِهَا فَحَدَّثْتُهُ أَنِّي كُنْتُ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الطِّخْفَةُ وَهِيَ قَرْيَةٌ لِبَنِي كِلَابٍ رَأَيْتُ فِيهَا أَعْرَابِيًّا فِي عُنُقِهِ طَوْقٌ مُلْتَوٍ مِنْ فِضَّةٍ وَبِيَدِهِ زُكْرَةٌ وَمَعَهُ قَدَحُ نَبْعٍ فَتَتَبَّعْتُ أَثَرَهُ فَجَاءَ إِلَى جِذْمِ حَائِطٍ فَجَمَعَ رُمَيْلَةً ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَصُبُّ مِنْ شَكْوَتِهِ نُبَاذَةً لَهُ فِي قَدَحِ النَّبْعِ وَيَشْرَبُهُ وَيَرْجُزُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَوَقَفْتُ عِنْدَهُ فَقَالَ: إِنَّ فِيهِ خِلَالًا ثَلَاثًا: إِنْ سَمِعَ مِنِّيَ حَدِيثًا لَمْ يُنْمِهِ عَلَيَّ وَإِنْ تَفَلْتُ فِي وَجْهِهِ"
احْتَمَلَ وَإِنْ عَرْبَدْتُ عَلَيْهِ لَمْ يَغْضَبْ، فَقَالَ الرَّشِيدُ زَهَّدْتَنِي فِي النُّدَمَاءِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا مِنَ الْأَعْرَابِيِّ فِي وَزْنِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ كَانَ لَزِمَ الْمَقَابِرَ فَكَانَ يَغْدُو إِلَيْهَا وَيَرُوحُ وَمَعَهُ دَفْتَرٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ أَرْ أَسْلَمَ مِنْ وَحْدَةٍ وَلَا أَوْعَظَ مِنْ قَبْرٍ وَلَا جَلِيسًا أَمْتَعَ مِنْ دَفْتَرٍ. قَالَ: وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي نَمَطِ صَنِيعِ الْأَعْرَابِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَكْلِ مَا نَسْتَحْسِنُهُ، مَا أَنْشَدَنِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِبَعْضِهِمْ:
[البحر البسيط]
لَمَّا رَأَيْتُ الزَّمَانَ نَكِسًا ... وَلَيْسَ بِالْحِكْمَةِ انْتِفَاعْ
كُلُّ رَئِيسٍ لَهُ مَلَاكٌ ... وَكُلُّ رَأْسٍ لَهُ صُدَاعْ
لَزِمْتُ بَيْتِي وَصُنْتُ عِرْضًا ... بِهِ عَنِ الذِّلَّةِ امْتِنَاعْ
أَشْرَبُ مِمَّا ادَّخَرْتُ رَاحًا ... لَهَا عَلَى رَاحَتِي شُعَاعْ
لِي مِنْ قَوَارِيرِهَا نَدَامَى ... وَمِنْ قَوَاقِيزِهَا سَمَاعْ