وفي قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} تقديم للمجرور الذي هو معمول {يوقنون} على عامله، وهو تقديم لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة، وأرى أن فِي هذا التقديم ثناء على هؤلاء بأنهم أَيقنوا بأَهم ما يوقن به المؤمن فليس التقديم بمفيد حصراً إذ لا يستقيم معنى الحصر هنا بأن يكون المعنى أنهم يوقنون بالآخرة دون غيرها، وقد تكلف صاحب"الكشاف"وشارحوه لإفادة الحصر من هذا التقديم ويخرج الحصر عن تعلقه بذات المحصور فيه إلى تعلقه بأحواله وهذا غير معهود فِي الحصر.
وقوله: {هم يوقنون} جيء بالمسند إليه مقدماً على المسند الفعلي لإفادة تقوية الخبر إذ هو إيقان ثابت عندهم من قبل مجيء الإسلام على الإجمال، وإن كانت التوراة خالية عن تفصيله والإنجيل أشار إلى حياة الروح، وتعرض كتابا حزقيال وأشعياء لذكره وفي كلا التقديمين تعريض بالمشركين الدهريين ونداء على انحطاط عقيدتهم، وأما المتبعون للحنيفية فِي ظنهم مثل أمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو بن نُفيل فلم يلتفت إليهم لقلة عددهم أو لأنهم ملحقون بأهل الكتاب لأخذهم عنهم كثيراً من شرائعهم بعلة أنها من شريعة إبراهيم عليه السلام. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 237 - 238}
[فائدة]
قال الفخر:
اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، فلذلك لا يقول القائل: تيقنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك، ويقال ذلك فِي العلم الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً، فيقول القائل: تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالاضطرار، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 31}
وقال ابن الجوزي:
قوله تعالى: {يوقنون} اليقين: ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر، وهو أبلغ علم مكتسب. انتهى انتهى. {زاد المسير حـ 1 صـ 27}