وذَكَر سجود إخوة يوسف، وأنَّهم وضعوا جباههم على الأرض بين يديه، وكان عبادةً لله أوحى الله بِها إليهم، كما أقرَّهم عليها النبيَّان يوسف ويعقوب - عليهما السلام - وكان ذلك ابتلاءً من الله وتأديبًا لَهم؛ لِحِقدهم على يوسف كما أدَّب الملائكة بالسُّجود لآدم لَمَّا قالوا:"أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" [البقرة: 30] ؟
والجواب عن ذلك:
أمَّا أن نسمِّيَ"السُّجود"اللُّغوي: هو منتهى الخضوع والتذلُّل والانقياد، فلَمْ أذكره من عندي، بل نقَلْتُ فيه كلام الرَّاغب الأصفهاني، وغيره من المؤلِّفين والمُحقِّقين، وقلتُ: إنَّ الواجب على المسلم فهْمُ القرآن باللِّسان العربِي، الذي نزل به القرآن، لا باللِّسان الاصطلاحي الحادث بعد فساد الأذواق والعقول، والأفكار والألسنة، وسُقْتُ الأدلَّة على ما قلت من قول الله سبحانه في كثير من آي الذِّكر الحكيم.
وأمَّا أنَّ سجود الملائكة كان عبادة شرعيَّة، وكان ابتلاء لهم وتأديبًا على اعتراضهم، فذلك قول بعيدٌ عن الصواب، ومُجافٍ لما وصف الله به ملائكته.
قال العلاَّمة ابن القيِّم - رَحِمه الله - في"مدارج السالكين"ج 1 ص 55:"بل عبادَتُهم - يعني: الملائكة - وتسبيحهم كالنَّفَس لبنِي آدم"، وليس النَّفَس لبني آدم إلاَّ خضوعًا للسُّنن الكونية؛ لأن كل حي مخلوق يتنفَّس، وليس له عليه ثواب ولا عقاب؛ لأنَّه لا يملك أن لا يتنفَّس، والعبادة الشرعية لا تكون إلا ابتلاءً وامتحانًا، والابتلاء لا يكون إلا على أساس الأسباب والقوى المختلفة التي هدى الله بها الإنسان النَّجدَيْن:"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" [الإنسان 2 - 3] ، وعلى ذلك كان الوزن بالقسط والثواب بالجنة أو النار.