والله سبحانه ينفي أن يكون لإبليس على عباده المخلصين سلطان؛ أيْ: قهر وغلبَةٌ وتَمكُّن، بحيث يكونون أُسَراء يغلبهم على أمرهم، ولكنَّه لَم يَنْفِ أن يكون له مُحاولات ومكايِدُ ووساوس يأتيهم بِها من بين أيديهم ومِن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولم يَنْفِ أن يكون له بِهم إلمامٌ ومسٌّ من طائفة يُحاول أن يُنْسِيَهم آياتِ ربِّهم، ونِعَمَه ورَحْمته وحكمته، ورقابته وشديد بطشه، ونكال عذابه، وسننه الماضية في الإنسان كلِّه، لكنهم لا يلبثون أن يُفِيقوا من مسيس طائفة، ويثوبوا إلى رشدهم، فتعود إلى قلبهم الحياةُ اليقظة، فيَذْكرون فضل ربِّهم وبِرَّه، وإحسانه ونعمَه عليهم، ويأخذون من الآيات والنِّعم سلاحهم، ويهجمون بقوَّة اليقظة وثبات المؤمن بِمَا أُعطوا من السَّداد والهدى، على ذلك العدوِّ الوسواس الخنَّاس، فيجلونه عن معقل الكرامة من نفوسهم، ويبعدونه عن مَنْزل العزَّة من قلوبِهم، وتعود عظمةُ الربِّ وجلاله، ومهابته وكبرياؤه، وحبه والخوف منه على قلوبِهم فتستقر، وتملؤها حياةً وقوَّةَ يقين وإيمانًا بالرَّبِّ، وضراعةً إليه أن يتولاهم سبحانه بحياطته، وأن يمدَّهم بمعونته، وأن يشملهم بعفوه ومغفرته؛ إنَّه هو التوَّاب الرحيم، وهكذا يعرف المؤمن الصادق أنَّه ما دام في هذه الحياة فهو دائمًا في ميدان الجهاد والجلاد، فتتجدَّد له القوى، ويزداد من الحذر واليقظة، فلا يأخذه العدوُّ أبدًا على غِرَّة، ولا ينال منه أبدًا غفلة يبسط عليه من طريقها سُلطانَه، و"اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيها خَالِدُونَ" [البقرة: 257] .