وإنَّما سلطان إبليس - أعاذنا الله منه - على أوليائه الذين خدَعَهم ولَعِب بقلوبِهم، وزيَّن لَهم في الأرض وفي أنفسهم بإبطال الحقائق الكونيَّة، وتشويه الجمال الفطري، وتقبيح النِّعَم الكريمة، والإساءة إليها وفيها بالسَّفَه والغي، والانْسلاخ من آيات ربِّهم، بالتقليد الأعمى، فاعتقدوه لَهم ناصحًا، فأحبُّوه وصدَّقوه، واشتدُّوا وراءه جريًا بكلِّ ما أوتوا من قوَّة في كل طرفة؛ مِن شِرك ووثنيَّة، إلى ظلم وبَغْي، وإلى فُسوق وعصيان، فلم يدَعْ حقًّا إلاَّ أضاعه فيهم وبِهم، ولا حرمةً إلاَّ انتهكَها فيهم وبهم، ولا فسادًا إلاَّ نشره فيهم وبهم، ولا معروفًا إلاَّ قتله فيهم وبهم، ولا منكرًا إلاَّ أعلنه فيهم وبهم، ثم حاك لهم من كلِّ ذلك ثوبًا سَمَّاه لهم الدِّين والصَّلاح، فلبسوه على عمًى وجهالة، فلا يفيقون بتذكير آيات الله الكونية والقرآنية؛ لأنَّهم صُمٌّ بكْمٌ عمي لا يعقلون، ولا يستيقظون بما تصكُّهم قوارع العِبَر وعِظاتُ الحوادث وسنن الله؛ لأنَّهم في ضلالهم يعمهون:"الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ في غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا" [الكهف: 101 - 106] .
"أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ في مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى" [طه: 128] .