قول الله - تعالى ذِكْره:"قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ" [الحجر:41 - 44] .
"الصِّراط": قال الراغب: الصِّراط والسِّراط واحد، وهو الطريق المستسهل.
أصله: من سرَطْت الطعام، وزرَدْته: ابتلعْته، فقيل: سِراط، تصوَّروا أنه يبتلعه سالِكُه، أو هو يبتلع سالِكَه، ألا ترى أنه قيل: قتل أرضًا عالِمُها، وقتلَتْ أرضًا جاهلُها؟ اهـ.
وقال الشيخ ابن القيِّم - رَحِمه الله: لا تكون الطَّريق صراطًا حتى تتضمَّن خَمْسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارِّين عليه، وتعينه طريقًا للمقصود، ثم قال بعد كلامه على الصراط المستقيم في سورة الفاتحة: قال الله تعالى:"هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ" [الحجر: 41] قال الحسن: معناه: صراط إلَيَّ مستقيم.
وهذا يحتمل أمرين:
أن يكون الْحَسَن أراد به أنَّه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض، فقامت أداة"على"مقام أداة"إلى"، والثاني: أنه أراد التفسير على المعنى، وهو الأشبه بطريق السَّلَف؛ أيْ: صراط موصِّل إلَيَّ.
وقال مُجاهد: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء، وهذا مِثْل قول الحسن، وأبيَنُ منه، وهو من أصح ما قيل في الآية.
وقيل:"عليَّ"فيه للوجوب؛ أيْ: عليَّ بيانه وتعريفه والدلالة عليه، والقولان نظير القولين في آية النحل، وهي:"وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ" [النحل: 9] والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أنه السبيل القاصد - وهو المستقيم المعتدل - يرجع إلى الله، ويوصل إليه، قال طُفَيلٌ الغنَويُّ:
مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ... وَصَرْفُ الْمَنَايَا بِالرِّجَالِ تَشَقْلُبُ
أيْ: مَمرُّنا عليهم، وإليهم وصولنا، وقال الآخَر:
فَهُنَّ اللَّيَالِي، أَيَّ وَادٍ سَلَكْتَهُ ... عَلَيْهَا طَرِيقِي أَوْ عَلَيَّ طَرِيقُهَا