فإن قيل: لو أريد هذا المعنَى لكان الأليق به: أداة"إلى"التي هي للانتِهاء، لا أداة"على"التي هي للوجوب، ألا ترى أنه لَمَّا أراد الوصول قال:"إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ" [يونس: 70] "إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ" [الأنعام: 108] ، وقال لما أراد الوجوب:"ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ" [الغاشية: 26] ،"إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ" [القيامة: 17] ،"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا" [هود: 6] ، ونظائر ذلك؟
قيل: في أداة:"على"سِرٌّ لطيف، وهو الإشعار بِكَون السَّالك على هذا الصِّراط على هُدى، وهو حق، كما قال في حقِّ المؤمنين:"أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ" [البقرة: 5] ، وقال لرسوله:"فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ" [النمل: 79] والله - عزَّ وجلَّ - هو الحق، وصراطه حق، ودينه حق، فمن استقام على صراطه، فهو على الحقِّ والهدى، فكان في أداة"على"هذا المعنى مِمَّا ليس في أداة"إلى"، فتأمَّلْه؛ فإنه سرٌّ بديع.
فإن قلتَ: فما الفائدة في ذكر"على"في ذلك أيضًا؟ كيف يكون المؤمن مستعليًا على الحقِّ وعلى الهدى؟
قلتُ: لِمَا فيه من استعلائه وعلوِّه بالحق والْهدى، مع ثباته واستقامته عليه، فكان في الإتيان بأداة"على"ما يدلُّ على علوِّه وثبوته واستقامته، وهذا بخلاف الضلال والريب، فإنه يُؤتى فيه بأداة"في"الدالَّة على انغماس صاحبه وانقماعه وتردِّيه فيه، كقوله تعالى:"فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ" [التوبة: 45] وقوله:"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ في الظُّلُمَاتِ" [الأنعام: 39] وقوله:"فَذَرْهُمْ في غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ" [المؤمنون: 54] وقوله:"وَإِنَّهُمْ لَفي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ" [هود: 110] .
وتأمل قوله تعالى:"وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ" [سبأ: 24] فإن طريق الحق تأخذ علوًّا، صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلال تأخذ سفلاً، هاوية بسالكها في أسفل سافلين.