فأَوْلَى بِهم ثم أولى إذا أهَمَّتْهم أنفسهم وحرَصوا على سعادتهم ونَجاتِهم مما يَحْذرون، أن يَزِنُوا عقائدهم وأعمالَهم وكلَّ شؤونهم التي يتناولونها نِعَمًا من الله مقدَّرة بميزان الحقِّ والرشد والحكمة، وأن يُنيبوا إلى ربِّهم ويُسلموا له في كلِّ أمرهم، من قبل أن يأتيهم العذاب ثم لا يُنصرون، ويتَّبعوا أحسَن ما أُنزل إليهم من ربِّهم من قبل أن يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يَشعرون؛"أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" [الزمر: 56 - 58] ، فيُقال لها:"بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ" [الزمر: 59] .
فلقد ذكَّرَهُم الله في الآيات السابقة بما أقام من آياته في السموات ما كان بارزًا واضحًا لا يَخفى، بل ما كان فيه من أنواع الزِّينة والجمال ما يَدْعوهم إلى التأمُّل والتفكير، وهو في هذه الآيات يذكِّرهم بما جعل في الأرض كذلك من الآيات ما يَخْتلط بالإنسان ويَمْتزج به في نفسه وفيما حوله من معايش ما سخَّر له، ومع كل هذا فقد أبَى أكثر النَّاس إلاَّ غفلة وتقليدًا أعمى وكُفورًا، كذَّبوا بآيات الله وأعرضوا عنها، واستكبروا أن تَذِلَّ أعناقهم لفاطِرِها ومُبْدِعها والمُنْعِم بها، في حين ذلَّتْ أعناقهم لعدوِّهم الشَّيطان، الذي عبدوه باسْم ما أقام لهم من أولياء لا يَملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا،"وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ" [الأحقاف: 6] .