ثم يقول ربُّنا:"وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ" [الحجر: 21] يقصد - سبحانه وتعالى - أنَّه مُحالٌ عليه - جلَّت حكمتُه - أن يكون على ما يعتقد المقلِّدون، أصحابُ عمَى القلوب والبصائر؛ إذْ يظنُّون به ظنَّ السَّوء، فيزعم لهم غرورُهم أنه يُعطي الأجر والمثوبة جزافًا بلا تقدير، ويجازي بلا حساب ولا وَزْن، فيسوِّل لَهم شيطان الغرور والجهل بالله وحكمته: أنَّه يعطيهم بكفرهم وفسوقهم وعصيانِهم وقصائدهم الوثنيَّة الناعقة بالكفر القَذِر بِرَسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي يسمُّونَها تواشيح دينيَّة - ما تَهْوى أنفسهم الغافلة، وما تتمنَّى بأمانيها الكاذبة؛ من النَّصر على الأعداء، والعزَّة والعيش الرغد، والحياة الطيبة في الدُّنيا، والنَّعيم والرضوان في الآخرة، وإن قصرت بهم، فبشفاعة الشافعين ووساطة أوليائهم ومعبوديهم، لا بالوزن الحقِّ والقسطاس المستقيم، فليس من شيء دقَّ أو جلَّ من شؤون الدِّين والدُّنيا والآخرة إلاَّ وعند الله وحْدَه خزائنه، وبيده سبحانه مفاتحه، ولا عند غيره ولا بِيَد غيره ممن تؤلِّهونهم وتذلُّ لهم أعناقُكم رغبًا ورهبًا؛ من رؤساء وقادة، وملوك، وشيوخ وأولياء، موتى أو أحياء، خِفْتُموهم كخيفة الله، ولَجأتم إليهم اللَّجأ الذي لا ينبغي إلاَّ لله، ودِنْتُم لهم ولِماَ يشرعون لكم من الدِّين الذي هو حقُّ الله وحده؛ فإنَّه سبحانه هو الذي يَخْتزن كلَّ شيءٍ ويَملكه وحده، وهو الذي يُنزل من خزائنه ما يشاء بِرَحْمته وحكمته: الأرزاق والآجال، والعزَّة والذلَّة، والضَّعف والقوَّة، والهُدَى ودين الحقِّ، والعلم بسننه الكونية والهداية بما في هذه السُّنن من الحِكَم والمنافع، ويُنَزِّل كلَّ ذلك بقدر معلوم، ووزن مَحْدود، لا يَضِلُّ ربنا ولا ينسى، قال تعالى:"وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ في الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ" [المؤمنون: 18] وقال:"وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا" [الفرقان: 2] وقال:"وَجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فيها وَقَدَّرَ"