وقوله:"وَجَعَلْنَا لَكُمْ فيها مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ" [الحجر: 20] يعنى سبحانه أنَّه إنَّما أراد بذلك الرَّحْمة بالإنسان والخير له؛ إذْ جعل له مما بثَّ في هذه الأرض وكنَز فيها، وأبرز له بهذا المدِّ من كُلِّ شيء موزون، ما يكفل المعايش لنا، ولكلِّ ما حولنا ومَن حولنا من الإنسان والدوابِّ، الذي كلُّه قائم على نظام الحكمة والسُّنن البديعة:"لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [الزخرف: 32] "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" [الملك: 2] ويقصد ربُّنا سبحانه أن يُوقظ الغافلين من غفلاتهم، وينبِّههم بتلك الآيات البيِّنات إلى أنَّه هو الذي بِيَدِه الخير كلُّه، وهو على شيء قدير، وأنَّ نِعَمه لا تزال تَتوالى عليهم من أوَّل خلق الأرض وتَهْيئتها لَهم، وتمهيدها لإقامتهم واستخلافهم، إلى وقتهم الذي يعيشون فيه وإلى آخر الدَّهر، وأنَّهم لا يزالون يَسْبحون في بَحْر نِعَمه وآلائه، وأنَّ يده سبحانه سَحاء بالخير والفضل آناء الليل والنهار؛ وأنه القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، وأن سُنَنه الحكيمة تَجري بِوَزْن دقيق، وتحديد بالغ، منتهى العدل والحكمة في مُجازاتِه كلَّ عامل على عمله، كما أنَّ سننه تَجري كذلك في إعطائهم هذه المعايش لهم ولِمَن لا يَرْزقون، وأنه سبحانه كما يعطيهم هذه النِّعَم مقدَّرة موزونة بأدقِّ تقدير وأحكم وزن، فهو كذلك يأخذها منهم بعد أن يتناولوها بالإحسان أو الإساءة بالتقدير والوزن الدقيق، ثم يردُّها عليهم يوم الحساب الدقيق بأدقِّ تقدير وأحكم وزن:"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" [الأنبياء: 47] ، ليس على ما يتوهَّمون بتقليدهم الأعمى مع الوساطات والشفاعات لأوليائهم ومعبوديهم مِمَّن لا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا.