وتدلُّ على أنَّ هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تَنْزيل من حكيم حميد، وأنه يدعو كلَّ مُحتفظ بنِعَم الله عليه في إنسانيَّته إلى فقْهِه وتدبُّره مستقلاًّ ومتجرِّدًا من كل تقليد، وآخذًا - بكل ما يقدر عليه ويسَّره الله له من هُدًى - سُننَ الله الكونية، ومتضلِّعًا في فقه لُغَة القرآن العربيَّة التي بِها أنزل الله القرآن وحفظه إلى آخِر الدَّهر، هدى ورَحْمة وبُشْرى للمحسنين، ولا يزيد الظالمين إلاَّ خسارًا.
ومما يدلُّ على أن هذا المدَّ كان هو السبب في بُروز ما كان الله قد أكنَّه في الأرض من الجبال والزُّروع والثِّمار والمياه وغيرها، وأنه سبحانه أعدَّها بِهذا المدِّ كذلك وهيَّأَها لدورانها وحركتها؛ ليحثَّ الليل والنهار، قوله تعالى:"وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الرعد: 3] ، فإنَّ ذلك الترتيب لِجَعل الرواسي والأَنْهار والثَّمرات، وغشيان اللَّيلِ النهارَ، والنهارِ الليلَ، يدلُّ دلالة بيِّنة على ذلك لمن يتفكَّر ويتأمَّل، ويدلُّ لذلك أيضًا قولُه:"وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" [النازعات: 30 - 33] الدَّحو: هو تمديد الشيء المُكوَّر ومَطُّه، وتوسيع تكويره.
وفي هذه الآية يقول سبحانه:"أَنبَتْنَا فيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ" [الحجر: 19] ، وذلك يعمُّ الزُّروع والثِّمار والمعادن، وغيرها مما اكتشفه الإنسان إلى اليوم، وجرى فيه شوطًا بعيدًا بما علَّمه الله من علم طبائع الأرض وسُنَّتِها الذرِّية والكميائيَّة، ما لم يكن يعلم قبل ذلك، ومما سيكشفه الله له بَعْدُ، بما سيُحدث له من العلم، وكان فضل الله على الإنسان عظيمًا، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، ولا يشكرون.