وإلى ذلك الإشارةُ بقوله تعالى:"وَأَلْقَى في الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [النحل: 15] وبقوله:"وَجَعَلْنَا في الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فيها فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" [الأنبياء: 31] ؛ يعنِي ربُّنا سبحانه أنَّه برحْمته وحكمته مهَّد الأرض، ووضع هذه الجبال الشامِخات في مواضع منها موزَّعة بحكمة بالغة؛ لِيَمنع بذلك الأرضَ أن تضطرب وتَميد في حركتها الدَّائبة؛ فإنَّها إن اضطربت في حركتها مَنَع ذلك الاضطرابُ أهْلَها وساكنيها من بَنِي آدم الْهُدوء والراحة، وذلك يدلُّ دلالة واضحة أنَّ الأرض تَجْري في دورتها حول نفسها في هذا الفضاء جريان السَّفينة في وسط الخضمِّ العظيم، وأنَّ ما يُحيط بهذه الأرض من العواصف والرياح والعوامل الأخرى التي تُزَلزلها وتعترضها في حركتها، كمثل ما يحيط بالفُلْك في البحر من الأمواج وعواصف الرِّياح، فاقتضت الحِكْمة من أرحم الراحمين، أن يثبِّتها في حركتها بهذه الجبال الرَّواسي التي وصفها في آيات أخرى بالأوتاد:"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" [النبأ: 6، 7] ، فإنَّ الأوتاد هي التي تُمْسك الخيمة وتُثبِّتها أمام عواصف الرياح، وكذلك تمسك كل ما يربط بها.
ومن عجيب أمر المُفَسِّرين أن يَزْعموا أنَّ هذه الآيات وأمثالها من آي الذِّكر الحكيم، تَرُدُّ على القائلين بكرويَّة الأرض وحركتها حول نَفْسها، وهي كما ترى دليلٌ واضح على صِحَّة ما قام البرهان البديهيُّ الحسِّيُّ على ثبوته من كرويَّة الأرض وحركتها، ولكنِّي لسْتُ أعجب لذلك، فإنِّي بِحَمد الله أؤمن أصدَق الإيمان وأقْوَاه: أنَّ هذا مِمَّا جعله الله مِن أبْيَنِ الآيات على إعجاز القرآن، وأنه ليس خارجًا من رأس عبد الله ورسوله محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ولا ناشئًا عن تفكيره في جَمال الطَّبيعة، كما زعم ذلك عدوُّ نفسه القصيمي في إغلاله مما الْتَهمَه وهضمَه من عمايات أساتذته المُلْحدين.