فإنْ حدث تضييق في الرزق فاعلموا أن حقاً من حقوق الله قد ضُيِّع ، إما لأنكم أهملتم استصلاحَ الأرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في الأرض ، وإما أنكم قد كنزتُم ما أخذتُم من الأرض ، وضننتُم بِمَا اكتنزتموه على سواكم .
فإنْ رأيتَ فقيراً مُضيَّعاً فاعلم أن هناك غنياً قد ضَنَّ عليه بما أفاض الله على الغني من رزق ، وإنْ رأيت عاجزاً عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحداً آخر قد ضَنَّ عليه بقُوتِه .
وإنْ رأيت جاهلاً فاعلم أن عالماً قد ضَنَّ عليه بعلمه . وإنْ رأيت أخْرقَ فاعلم أن حكيماً قد ضَنَّ عليه بحكمته ؛ فكُلّ شيء مخزون في الحياة ؛ حتى تسلم حركة الحياة ؛ سلامةً تؤدي إلى التسانُد والتعاضُد ؛ لا إلى التعانُد والتضارب .
ونعلم أنه سبحانه قد أَعدَّ لنا الكون بكُل ما فيه قبل أنْ يخلقنا ؛ ولم يُكلِّفنا قبل البلوغ ؛ ذلك أنه عَلِم ألاً أن التكليف يُحدّد اختيار الإنسان لكثير من الأشياء التي تتعلق بكل ملَكاتِ النفس ؛ قُوتاً ومَشْرباً ومَلْبساً ومسكناً وضَبْطاً للأهواء ، كي لا ننساقَ في إرضاء الغرائز على حساب القِيمَ .
وشاء سبحانه ألاَّ يكون التكليف إلا بعد البلوغ ؛ حتى يستوفي ملكاتُ النفس القوةَ والاقتدارَ ، ويكون قادراً على إنجاب مثيل له ، ولكي يكون هذا التكليف حُجَّة على الإنسان ، هذا الذي طَمَر له الحق سبحانه كل شيء إمَّا في الأرض ؛ أو كان طمراً في النوع ، أو في الجنس .
وكُلُّ شيء في الكون موزون ، إما أن يكون جِنْساً ، أو نَوْعاً ، أو أفراداً ؛ والميزان الذي توجد به كل تلك العطاءات ؛ إنما شاء به الحق سبحانه أن يهبَ الرب للكل ؛ وليوافق الكثرة ؛ وليعيش الإنسان في حضْن الإيمان . وهكذا يكون عطاء الله لنا عطاءَ ربوبيةٍ ، وعطاءَ ألوهيةٍ ، والذكيّ حقاً هو مَنْ يأخذ العطاءين معاً لتستقيم حياته .