قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ظاهر في أشياء كثيرة. وهو لازم في الاعتراض إذا عممنا لفظة {شيء } وكيفما كان الأمر فالقدرة تسعه وتتقنه.
وقوله: {ننزله} ما كان من المطر ونحوه: فالإنزال فيه متمكن ، وما كان من غير ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به ، إنزال على تجوز.
وقرأ الأعمش:"وما نرسله".
وقوله: {بقدر معلوم} روي فيه عن ابن مسعود وغيره: أنه ليس عام أكثر مطراً من عام ، ولكن الله تعالى ينزله في مواضع دون مواضع.
{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) }
يقال: لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة: إذا حملت ، والرياح تلقح الشجر والسحاب ، فالوجه في الريح أنها ملقحة لا لاقحة ، وتتجه صفة {الرياح} ب {لواقح} على أربعة أوجه:
أولها وأولاها: أن نجعلها لاقحة حقيقية ، وذلك أن الرياح منها ما فيها عذاب أو حر ونار ، ومنها ما فيه رحمة ومطر أو نصر أو غير ذلك ، فإذا بها تحمل ما حملتها القدرة ، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه ، فهي لاقحة بهذا الوجه ، وإن كانت أيضاً تلقح غيرها وتصير إليه نفعها. والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة ، وتسمي الشمال الحايل والعقيم ومحوة ، لأنها تمحو السحاب. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الريح الجنوب من الجنة ، وهي اللواقح التي ذكر الله ، وفيها منافع للناس"؛ ومن هذا قول الطرماح:
قلق لا فبان الريا... ح للاقح منها وحائل
ومن قول أبي وجزة:
من نسل جوابة الآفاق... فجعلها حاملاً تنسل.
قال القاضي أبو محمد: ويخرج هذا على أنها ملقحة فلا حجة فيه.
والثاني: أن يكون وصفها ب {لواقح} من باب قولهم: ليل نائم ، أي فيه نوم ومعه ، ويوم عاصف ونحوه: فهذا على طريق المجاز.