{فَلاَ تَلُومُونِى} بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي لهذا الموعد {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} باستجابتكم لي بمجرّد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة ، فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ، ولمارنه قطع ، ولا سيما ودعوتي هذه الباطلة ، وموعدي الفاسد وقعا معارضين لوعد الله لكم وعد الحق ، ودعوته لكم إلى الدار السلام ، مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ، ولا تلتبس إلاّ على مخذول ، وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله سبحانه ، ولما في سنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤثرها على ما فيهما ، فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقع عليه حجة ، ولا دلّ عليه برهان ، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره ، كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المتنكبين طريق الحق بسوء اختيارهم ، اللهم غفرا.
{مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} يقال: صرخ فلان: إذا استغاث يصرخ صراخاً وصرخاً ، واستصرخ بمعنى: صرخ ، والمصرخ: المغيث ، والمستصرخ: المستغيث.
يقال: استصرخني فأصرخته ، والصريخ: صوت المستصرخ ، والصريخ أيضاً: الصارخ ، وهو المغيث والمستغيث ، وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح.
قال ابن الأعرابي: الصارخ: المستغيث ، والمصرخ: المغيث ، ومعنى الآية: ما أنا بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب ، وما أنتم بمغيثي مما أنا فيه ، وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب ، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه ، فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه؟ ومما ورد مورد هذه الأقوال من قول العرب قول أمية بن أبي الصلت:
فلا تجزعوا إني لكم غير مصرخ... وليس لكم عندي غناء ولا نفر
و {مصرخيّ} بفتح الياء في قراءة الجمهور ، وقرأ الأعمش وحمزة بكسر الياء على أصل التقاء الساكنين.