قوله: {وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى مِن دُونِ الله} لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه ، شرع في تثبيت أمر النبوّة: أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج البيّنة ، والبراهين الواضحة ، يفترى من الخلق من دون الله ، وإنما هو من عند الله عزّ وجلّ ، وكيف يصح أن يكون مفترى ، وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم الذين هم أفصح العرب لساناً وأدقهم أذهاناً {ولكن} كان هذا القرآن {تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب المنزلة على الأنبياء ، ونفس هذا التصديق معجزة مستقلة ؛ لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ، ولا اتصل بمن له علم بذلك ، وانتصاب {تصديق} على أنه خبر لكان المقدرة بعد لكن ، ويجوز أن يكون انتصابه على العلية لفعل محذوف ، أي لكن أنزله الله تصديق الذي بين يديه.
قال الفراء: ومعنى الآية ، وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، كقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] ، {وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} [التوبة: 122] .
وقيل: إن {أن} بمعنى اللام ، أي: وما كان هذا القرآن ليفترى.
وقيل: بمعنى لا: أي لا يفترى ، قال الكسائي والفراء: إن التقدير في قوله: {ولكن تَصْدِيقَ} ولكن كان تصديق ، ويجوز عندهما الرفع ، أي: ولكن هو تصديق.
وقيل: المعنى: ولكن القرآن تصديق {الذي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب ، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله ، فجاء مصدّقاً لها.
قيل: المعنى: ولكن تصديق النبيّ الذي بين يدي القرآن ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن.