وقيل معناه: بل كذبوا بما في القرآن من ذكر الجنة والنار والحشر والقيامة والثواب والعقاب وغيرها، مما لم يحيطوا بعلمه؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك له. وقيل: إنهم لما سمعوا ما في القرآن من القصص، وأخبار الأمم الحالية، ولم يكونوا سمعوها قبل ذلك .. أنكروها لجهلهم، فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} ؛ لأن القرآن العظيم مشتمل على علوم كثيرة، لا يقدر على استيعابها وتحصيلها {وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} معطوف على {لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} ؛ أي: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبما لم يأتهم تأويله، أو هذه الجملة في محل نصب على الحال؛ أي: كذبوا به، حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به، ولا بلغته عقولهم.
والمعنى: أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة بعلمه، وقيل: أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه، من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث، من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها، أو قبل أن يفهموه حق الفهم.
وخلاصة ذلك: أنهم على إعجاز القرآن من جهة اللفظ والمعنى والإخبار بالغيب، قد أسرعوا في تكذيبه قبل أن يتدبروا أمره، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به، وفي تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع حصوله، شناعة وقصر نظر، لا تخفى على عاقل، وفيه دليل على أنهم مقلدون.
{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثل ذلك التكذيب من غير تدبر {كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ما كذبوا من المعجزات، التي ظهرت على أيدي أنبيائهم، عندما جاءتهم رسلهم بحجج الله وبراهينه، فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله من عذاب الله، الذي أوعدهم به.