ومن البيّن أنه ما كان لعاقل مثله، - صلى الله عليه وسلم - ، أن يتحداهم هذا التحدي، لو لم يكن موقنًا، أن الإنس والجن لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن في جملته، ولا بسورة مثله، إذ لو كان هو الذي أنشأه وألفه لمصلحة الناس برأيه لكان عقله وذكاؤه، يمنعانه من الجزم بعجز عقلاء الخلق، من العوالم الظاهرة والباطنة عن الإتيان بسورة مثل ما أتى هو به. إذ العاقل الفطن يعلم أن ما يمكنه من الأمر، قد يمكن غيره، بل ربما وجد من هو أقدر منه عليه.
والخلاصة: أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان على يقين بأنه من عند ربه، وأنه - صلى الله عليه وسلم - كغيره لا يقدر على الإتيان بمثله.
وقرأ الجمهور {تصديق} {وتفصيل} بالنصب على أنه خبر لكان المحذوفة كما قدرناه في الحل. وقيل: انتصب على أنه مفعول لأجله، والعامل محذوف تقديره: ولكن أنزل للتصديق. وقرأ عيسى بن عمر {تفصيل} و {تصديق} بالرفع هنا، وفي يوسف على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: ولكن هو تصديق. وزعم الفراء ومن تابعه: أن العرب إذا قالت: ولكن بالواو، آثرت تشديد النون، وإذا لم تكن الواو، آثرت التخفيف. وقد جاء في السبعة مع الواو التشديد والتخفيف وقرأ عمرو بن فائد: {بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} على الإضافة؛ أي: بسورة كتاب أو كلام مثله؛ أي: مثل القرآن.
39 -ثم انتقل من إظهار بطلان ما قالوه في القرآن، بتحديه لهم، إلى إظهار بطلانه ببيان أن كلامهم ناشئ من عدم علمهم بحقيقة أمره، واختبار حاله، فقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} وبل، فيه للإضراب الانتقالي أضرب بها عن الكلام الأول، وانتقل إلى بيان أنهم، سارعوا إلى تكذيب القرآن؛ أي: بل هم سارعوا إلى تكذيب القرآن، من غير أن يتدبروا ما فيه، ويقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين الدالة على حقيقته.