ولو كان الإسلام قد انتشر بالسيف لما أبقي أحداً على دينه ، ولكن الإسلام لم يُكْره أحداً ، وحمى حرية الاختيار بالسيف . ولأن الذين لم يؤمنوا بالإسلام عاشوا في مجتمع تتكفّل الدولة الإسلامية فيه بكل متطلبات حياتهم ، والمسلم يدفع زكاة لبيت المال ، فعلى من لم يؤمن - وينتفع بالخدمات التي يقدمها المجتمع المسلم - أن يدفع الجزية مقابل تلك الخدمات .
وإذا اعتقد الإنسان أنه خليفة ، وظل متذكراً لذلك ، فهو يتذكر أن سطوة من استخلفه قادرة على أن تمنع عنه هذه الخلافة .
إذن: فخذوا الأمر بالتسليم ، وساعدوا النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته ، وآمنوا به أولاً ، وإن لم يؤمنوا به فاتركوه ؛ ليعلن دعوته ، ولا تعاندوه ، ولا تصرفوا الناس عنه ؛ لأن الحق هو القائل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14] .
وساعة تأتي لأمر يعلله الله بكلمة {لِيَعْلَمَ ...} [المائدة: 94] .
أو {لِنَنظُرَ ...} [يونس: 14] .
فاعلم أن الله عالم وعليم ، علم كل الأمور قبل أن توجد ، وعلم الأشياء التي للناس فيها اختيار ، وهو القائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب ...} [الحديد: 25] .
وقد علم الحق سبحانه أزلاً كل شيء ، وإذا قال الله: {وَلِيَعْلَمَ} فليس معنى ذلك أن هناك علماً جديداً لم يكن يعلمه سوف ينشأ له ، لكنه يعلم علم مشهد وإقرار منك ؛ حتى لا يقول قائل: لماذا يحاسبنا الله على ما عَلمَ أزلاً؟ بل يأتي سبحانه بالاختيار الذي يحدِّد للعبد المعايير التي تتيح للمؤمن أن يدخل الجنة ، وللعاصي أن يُحاسَب ويُجازَي .