{إنه} تعالى {يَبْدَأُ الْخَلْقَ} ؛ أي: المخلوق فالمصدر بمعنى المفعول، وينشئه من العدم المحض حين التكوين، ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} ؛ أي: ينشؤه نشأة أخرى، من العدم بالبعث بعد انحلاله وفنائه {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ ورسوله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات على إيمانهم وأعمالهم الصالحة {بِالْقِسْطِ} ؛ أي: بالعدل الذي لا جور فيه لا ينقص من أجورهم شيئًا. وقال البيضاوي: قوله: {بِالْقِسْطِ} ؛ أي: بعدله، أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، وهو الأوجه لمقابلة قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} إلخ. والجزاء بالعدل لا يمنع أن يزيدهم ربهم شيئًا من فضله، ويضاعف لهم كما وعد على ذلك في آيات أخرى، منها قوله: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} وقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وفي هذه الجملة إيماء إلى أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة، هو الإثابة وإيصال الرحمة، وأما عقاب الكفرة، فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم؛ أي: إنه تعالى يعيدهم لأجل جزائهم بالعدل، فيعطي كل عامل حقه من الثواب الذي جعله لعمله، وهذا المعنى، قد جاء في آيات كثيرة كقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} وقوله: {قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} .
والعدل في الأمور كلها مما يتطلبه الإيمان كما قال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} وقال: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} .