الحجة الثامنة: طريقة الاحتياط ، فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ، فإن كان هذا المذهب حقاً ، فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلاً ، لم يضرنا هذا الاعتقاد.
غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما: أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب.
والثاني: أنها منقطعة سريعة الزوال.
فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان بالمعاد ، ولهذا قال الشاعر:
قال المنجم والطبيب كلاهما.. لا تحشر الأموات قلت إليكما
إن صح لكما فلست بخاسر.. أو صح قولي فالخسار عليكما
الحجة التاسعة: اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيواناً ، فإنه إن قطع منه شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر ، فإنه يعود ذلك الشيء ، وإن جرح اندمل ، ويكون الدم جارياً في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه ، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال ، فإن قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت ، وإن جرح لم يندمل ولم يلتحم ، ورأيت الدم يتجمد في عروقه ، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد والانحلال.
ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة ، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها ، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان ، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما قال تعالى: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] وإن جذ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله ، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف ، وإن جرح التأم ، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان.
ثم إذا جاء الشتاء واشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها ، ولو قطعنا غصناً من شجرة ما أخلف ، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة.