ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا القسم من الأعراب، تقربًا إلى الله مقبول، واقع على الوجه الذي أرادوه فقال: {أَلَا} ؛ أي: انتبهوا {إِنَّهَا} ؛ أي: إن نفقتهم، {قُرْبَةٌ لَهُمْ} إلى الله في الدرجات، ثم فسر سبحانه القربة بقوله: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ} تعالى، {في رَحْمَتِهِ} ؛ أي: في جنته التي هي محل الرحمة الواسعة الدائمة، أي: وقد بين الله تعالى جزاءهم، على ما انطوت عليه نفوسهم، من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله، فأخبر بقبول نفقتهم، وإثابتهم عليها، فقال: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} ؛ أي: ألا إن تلك النفقة التي
اتخذت لهم، قد تقبلها الله، وأثاب عليها بما وعد به في قوله: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} ؛ أي: سيرحمهم الله تعالى برحمته الخاصة بمن رضي عنهم، وهي
هدايتهم إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى جنات النعيم. والمراد بإدخالهم في الرحمة؛ أن تكون محيطة بهم شاملة لهم، وهم مغمورون فيها وهذا أبلغ في إثباتها لهم من مثل قوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ} . والسين في {سَيُدْخِلُهُمُ} ، للدلالة على تحقق الوقوع {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى: {غَفُورٌ} لسيّئاتهم، {رَحِيمٌ} بهم، حيث وفقهم لهذه الطاعات؛ أي: إنه تعالى، واسع المغفرة والرحمة، لمن يخلصون في أعمالهم، فهو يغفر لهم، ما فرط منهم من ذنب، أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم، إلى خير العمل، وحسن المصير. وهذا وعد منه تعالى لهم بواسع الرحمة والغفران، كما أن قوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، تهديد للأولين، عقب الدعاء عليهم.
وقرأ ورش: {قُرُبة} بضم الراء، وباقي السبعة: بالسكون، وهما لغتان، ولم يختلفوا في قربات بالضم، فإن كان جمع قربة .. فجاء بالضم على الأصل في الوضع وإن كان جمع قربة بالسكون .. فجاء بالضم إتباعًا لما قبله كما قالوا: ظلمات في جمع ظلمة. وهذا القسم الأخير قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينة.