وجاء هنا أيضاً بضمير الفصل ؛ لأن الإنسان قد يرى والده وهو يأتي له بالطعام والشراب فيظن أن الأب شريك لله ؛ لذلك جاء ب {هُوَ} ، فأنت إن نسبت كل رزق يأتي به أبوك ، لانتهيت إلى مالم يأتي به الأب ؛ لأن كل شيء فيه سببٌ للبشر ينتهي مإلى ماليس للبشر فيه أسباب ، فكل شيء من الله ؛ لذلك قال سيدنا إبراهيم: {والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 79 - 80]
وخصص الشفاء أيضاً ؛ حتى لا يظن ظان أن الطبيب هو الذي يشفي ، وينسى أن الله وحده هو الشافي ، أما الطبيب فهو معالج فقط ؛ ولذلك تجد أننا قد نأخذ إنساناً لطبيب ، فيموت بين يدي الطبيب ؛ ولذلك يقول الشاعر عن الموت:
إنْ نَام عنْكَ فَأيُّ طِبٍّ نَافِعٌ ... أوْ لم يَنَمْ فالطِّبَّ مِن أذنَابِه
فقد يعطي الطبيب دواءً للمريض ، فيموت بسببه هذا المريض . وجاء سيدنا إبراهيم بالقصر في الشفاء لله ؛ حتى لا يظن أحد أن الشفاء في يد أخرى غير يد الله سبحانه .
ثم يقول سيدنا إبراهيم: {والذي يُمِيتُنِي ...} [الشعراء: 81]
ولم يقل:"هو"يميتني ؛ لأن الموت مسألة تخص الحق وحده ، وقد يقول قائل: كان يجب أن يقول:"هو يمتني"، ونقول: انتبه إلى أن إلا بنقض البنية ، ويضيف الحق على لسان سيدنا إبراهيم:
{والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81] .
وأيضاً لم يقل:"هو يحييني"؛ لأن هذا أمر خارج عن أي توهم للشركة فيه ، فقد جاء ب"هو"في الأمور التي قد يُظن فيها الشركة ، وهو كلام بالميزان: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين} [الشعراء: 82]
لم يأت أيضاً ب"هو"؛ لأن المغفرة لا يملكها إلا الله .
إذن فكل أمر معلوم أنه لا يشارَك فيه جاء بدون"هو"، وكل ما يمكن أن يُدَّعى أن فيه شركة يجيء ب"هو".