وهكذا تبرأ سيدنا إبراهيم عليه السلام من الشركاء فقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين} وهذا كلام دقيق محسوب . وأضاف: {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78]
ولم يقل:"الذي خلقتني يهديني"، بل ترك"خلقني"بدون"هو"وخَصَّ الله سبحانه وحده بالهداية حين قال: {فَهُوَ يَهْدِينِ} ؛ لأن"هو"لا تأتي إلا عند مظنة أنك ترى شريكاً له ، أما مسألة الخلق فلا أحدٌ يدّعي أنه خلق أحداً . فالخلق لا يُدَّعى ، ولذلك لم يقل"الذي هو خلقني".
والحق سبحانه هو القائل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ...} [الزخرف: 87]
فليس هناك خالق إلا هو سبحانه . إذن: فالأمر الذي لا يقول به أحد غير الله لا يأتي فيه الضمير . لكن الأمر الذي يأتي فيه واحد مع الله ، فهو يخصِّص ب"هو"تأكيداً على تخصيصه لله وحده {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فليس لأحد أن يُدخل أنفه في هذه المسألة ؛ لأن أحداً لم يدّع أنه خلق أحداً ، فمجيء الاختصاص - إذن - كان في مجال الهداية بمنهج الحق ، لا بقوانين من الخلق . فمن الممكن أن يقول بشر: أنا أضع القوانين التي تسعد البشر ، وتنفع المجتمع ، وتقضي على آفاته ، ونقول: لا ، إن الذي خلقنا هو وحده سبحانه الذي يهدينا بقوانينه .
إذن: فما لا يُدَّعى فلا تأتي فيه (هو) ، أما ما يمكن أن يُدَّعى فتأتي فيه (هو) . وقوله سبحانه: {والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79]