إذا ثبت هذا فنقول: إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر ، لأنه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع ، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره ، وعلي بن أبي طالب ، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر ، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر ، فإذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ، ورضي هو عن الله ، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله ، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحق اللعن والمقت ، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم ، فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعلى صحة إمامتهما.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، لأن هؤلاء آمنوا ، وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف.
فقوي الإسلام بسببهم ، وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم ، وقوي قلب الرسول بسبب دخولهم في الإسلام واقتدى بهم غيرهم ، فكان حالهم فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ؟ ثم نقول: هب أن أبا بكر دخل تحت هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين ، لكن لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة ؟ ولم لا يجوز أن يقال: إنه تغير عن تلك الحالة ، وزالت عنه تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الإمامة ؟
والجواب عن الأول: أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة عليه ، لأن لفظ السابق مطلق ، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر الأمور ، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى.
قوله: المراد منه السبق في الإسلام.