بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه
جبرائيل عليه السلام فقال له: يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك
وملأت قلوبهم رعبًا فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم
عن بلادهم وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد عن حارثة
عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه
في خدش خدشه أعرابيًّا لم يتعمده فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله
لم يبعثك جبارًا ولا متكبرًا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال: اقتصَّ
مني فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدًا ولو على
نفسي فدعا له بخير [1] يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه
وسلم إمارة مكة أو الطائف أو اليمن فقال له النبي عليه السلام (يا عباس يا عم النبي: نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها) [2] نصيحة منه لعمه وشفقة عليه
وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئًا إذ أوحى الله إليه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ (الشعراء: 214) فقال يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة
بنت محمد إني لست أُغني عنكم من الله شيئًا، إن لي عملي ولكم عملكم [3] وقد قال
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل أريب العقد لا
يُطَّلع منه على عورة ولا يخاف منه على حُرة ولا تأخذه في الله لومة لائم، وقال:
الأمراء أربعة فأمير قوي ظلف (أي منع) نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل
الله يد الله باسطة عليه الرحمة، وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه
فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة
الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شر الرعاة الحطمة) فهو الهالك
وحده [4] وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعًا.
وبعد أن أطال في وعظه بما حذفنا بعضه اختصارًا قال:
(يا أمير المؤمنين من أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله
التقوى وإنه مَن طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله
(1) رواه مَن ذكر وأبو داود والنسائي.
(2) رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي وأبو نعيم وابن عساكر.
(3) رواه البخاري وغيره على خلاف في اللفظ.
(4) رواه مخرِّجو الأحاديث السابقة ومسلم وغيرهم.