إنما السلطان والد يخطئ ويصيب. قال: فسُرّ بقولي وأعجبه ورأيت البشر في وجهه
وقال: فلله الحمد، ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قال: قد سمعت
قول الأمير يقول: إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمون
على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم
وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة وإني سمعت عبد الرحمن
بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:(من استرعي رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه
الجنة) [1] .
ويقول: إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وأن
يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو فيكتب إليَّ أن
لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه وحق الله ألزم من حق أمير
المؤمنين والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فاعرضْ كتاب
أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل فإن وجدته موافقًا لكتاب الله فخذ به وإن
وجدته مخالفًا لكتاب الله فانبذه يا ابن هبيرة اتقِ الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من
رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدَع
سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتُقدم على ربك وتنزل على عملك يا ابن هبيرة: إن
الله ليمنعك من يَزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا
طاعة في معصية الله وإني أحذرك بأسه الذي لا يُردّ عن القوم المجرمين. فقال ابن
هبيرة: أَرْبِع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن أمير
المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى من أمر
هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته، فقال الحسن: يا ابن هبيرة الحساب
من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد يا ابن هبيرة، إنك إن تلق
من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلاً يُغرك
ويمنّيك فقام ابن هبيرة وقد بَسَرَ وجهه وتغيَّر لونه قال الشعبي فقلت: يا أبا سعيد
أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصِلَته فقال: إليك عني يا عامر
قال: فخرجَتْ إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وجفانا
فكان أهلاً لما أُدي إليه وكنا أهلاً أن يفعل ذلك بنا فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت
من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف [2] وما شهدنا مشهدًا إلا برز علينا
(1) رواه البغوي بإسناد لين والشيخان وغيرهما بالمعنى.
(2) وفي نسخة (المقاريف) وكلاهما جمع مُقْرِف كمحسن، وهو ما كان أبوه غير عربي ويقابله الهجين.