ثم يقول الحق: {أولئك سَيَرْحَمُهُمُ الله} وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين هم أولياء بعض ، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ، والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، هؤلاء سيرحمهم الله . وأيهما أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله ، أو يقال سيرحمهم الله؟
الأبلغ أن يقال: {سَيَرْحَمُهُمُ الله} لأن السين تهتك ستار الزمن ؛ وبذلك يحيا المؤمن دائماً في رحمة الله التي لا تنقطع .
ولذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً} [مريم: 96]
أي أن الود سيكون مستمرّاً ، حتى لمن استمع إلى هذه الآية ثم مات ، إنه أيضاً ينتفع بود الله . وأيضاً قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 5]
ولم يقل: يعطيك ربك ، بل جاء ب {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ} لترى عطاء الحق مستمرّاً .
وأنت حين تهدد أحداً لا تقل له: أنا أنتقم منك ، بل تقول: سأنتقم منك ، أي: أن الانتقام سيستمر مع الزمن .
وقول الحق سبحانه وتعالى: {سَيَرْحَمُهُمُ الله} تعطي أن صفة الرحمة في حق الله سبحانه أعلى من صفة الرحمة في المخلوق ؛ لأن التراحم من الخلق على قدر الأسباب ، أما الرحمة من الحق سبحانه فتكون بصفات الكمال التي لا تتناهى ولا تنتهي . ومن الرحمة ألا يقع داء ، والشفاء أن يوجد داء فيشفى ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ ...} [الإسراء: 82]
والاثنان يؤديان إلى سلامة المجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تُشْقي الإنسان ، وهناك سلامة من أول الأمر . وهناك سلامة ليست من أول الأمر . ومن عنده خصلة سيئة - وهي داء - يشفيه منها القرآن ، أما الرحمة فهي ألا يأتي داء ابتداء ، ولذلك فالرحمة ممتدة .