و {الجمعان} الفريقان من المسلمين والكافرين {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقلّ على الفريق الأكثر.
قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى} قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب ، بكسر العين في العدوة في الموضعين.
وقرأ الباقون بالضم فيهما.
و"إِذْ"بدل من يوم الفرقان ، ويجوز أن يكون العامل محذوفاً ، أي واذكروا إذ أنتم.
والعدوة: جانب الوادي.
والدنيا: تأنيث الأدنى ، والقصوى: تأنيث الأقصى ، من دنا يدنو ، وقصا يقصو ، ويقال القصيا ، والأصل الواو.
وهي لغة أهل الحجاز ، والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة ، والقصوى: كانت مما يلي مكة.
والمعنى: وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة ، وعدوّكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة.
وجملة: {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ} في محل نصب على الحال ، وانتصاب {أَسْفَلَ} على الظرف ، ومحله الرفع على الخبرية ، أي والحال أنّ الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه.
وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشدّ سفلاً منكم ، والركب: جمع راكب ، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل ، ولا يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب.
وكذا قال ابن فارس ، وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة.
والمراد بالركب ها هنا ركب أبي سفيان ، وهي المراد بالعير ، فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر.
قيل: وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوّهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم الدلالة على قوّة شأن العدوّ وشوكته.
وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء ، وكانت أرضاً لا يابس بها.
وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها.
وكانت العير وراء ظهر العدوّ مع كثرة عددهم ، فامتنّ الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه.