دل هذا على أن لله في فعل العباد صنعًا وفعلًا؛ حيث أضاف ونسب المجاوزة إلى نفسه، وهم الذين جاوزوا البحر، دل أن له في فعلهم صنعًا، وهذا ينقض على المعتزلة حيث أنكروا خلق أفعال العباد، وباللَّه المعونة والعصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) .
العكوف: هو المقام والدوام، وقوله: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) ، أي: وجدوهم عكوفًا على عبادة الأصنام مقيمين على ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا) .
يشبه أن يكون سؤالهم إلهًا يعبدونه لا على الكفر بربهم والتكذيب لرسوله، ولكن لما لم يروا أنفسهم أهلًا للعبادة لله، والخدمة له؛ لما رأوا في الشاهد أنه لا يخدم الملوك إلا الخواص لهم، والمقربون إليهم، ومن بعد منهم يخدم خواصهم، فعلى ذلك هَؤُلَاءِ سألوا موسى إلهًا يعبدونه؛ لما لم يروا أنفسهم أهلًا لعبادة اللَّه، والخدمة له؛ لتقربهم عبادة تلك الأصنام إلى اللَّه، ويخرج ذلك مخرج التعظيم لله والتبجيل، لا على الكفر وصرف العبادة عنه إلى غيره، وكذلك كان عادة العرب أنهم كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم عبادتها إلى اللَّه زلفى، وكذلك ما ذكر في بعض القصة أن فرعون كان يتخذ لقومه أصنامًا يعبدونها؛ لتقربهم تلك الأصنام إليه زلفى، فعلى ذلك سؤال هَؤُلَاءِ لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا) ، واللَّه أعلم.