الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِهِمْ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ لِيَسْتَوْفُوا عَذَابَ أَيَّامِهِمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ أَجَلًا إِلَى وَقْتِ هَلَاكِهِمْ،
{إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ}
يَقُولُ: إِذَا هُمْ يَنْقُضُونَ عُهُودَهُمُ الَّتِي عَاهَدُوا رَبَّهُمْ وَمُوسَى، وَيُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا نَكَثُوا عُهُودَهُمْ، انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، يَقُولُ: انْتَصَرْنَا مِنْهُمْ بِإِحْلَالِ نِقْمَتِنَا بِهِمْ وَذَلِكَ عَذَابُهُ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، وَهُوَ الْبَحْرُ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[البحر البسيط]
دَاوِيَّةٌ وَدُجَى لَيْلٍ كَأَنَّهُمَا ... يَمٌّ تَرَاطَنُ فِي حَافَاتِهِ الرُّومُ
وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
كَبَاذِخِ الْيَمِّ سَقَاهُ الْيَمُّ
{بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}
يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ، بِتَكْذِيبِهِمْ بِحُجَجِنَا وَأَعْلَامِنَا الَّتِي أَرَيْنَاهُمُوهَا.
{وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}
يَقُولُ: وَكَانُوا عَنِ النِّقْمَةِ الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ غَافِلِينَ قَبْلَ حُلُولِهَا بِهِمْ أَنَّهَا بِهِمْ حَالَّةٌ. وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: {عَنْهَا} كِنَايَةٌ مِنْ ذِكْرِ النِّقْمَةِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هِيَ كِنَايَةٌ مِنْ ذِكْرِ الْآيَاتِ، وَوَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى: وَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَجَعَلَ إِعْرَاضَهُمْ عَنْهَا غُفُولًا مِنْهُمْ إِذْ لَمْ يَقْبَلُوهَا كَانَ مَذْهَبًا. يُقَالُ مِنَ الْغَفْلَةِ، غَفَلَ الرَّجُلُ عَنْ كَذَا يَغْفُلُ عَنْهُ غَفْلَةً وَغُفُولًا وَغَفْلًا.