يدل على أن ابن إسحاق أخذ هذا الكلام من هاهنا، والنقل عن كتب أهل الكتاب ليس فيه بأس على ألا يأخذ أكبر من حجمه، بمعنى: ألا يعطى من الثقة أكثر مما يستأهل، فمجموع ما بأيدينا من كتب العهدين - الجديد والقديم - إذا سلطت عليها سهام النقد العلمي فإنها لا تعدل عندنا الحديث الضعيف. بل إن قسما كبيرا منها من الموضوع المكذوب حتما بموازين النقد العلمي. فما سننقله منها مما لا نص فيه من كتابنا أو سنة رسولنا عليه الصلاة والسلام لا يعدو أن يكون المراد بذكره الاستئناس. لا ندافع عنه إن ثبت بطلانه، ولا نتحمل مسئولية ما فيه، ولا نعتبره جزءا من ديننا، وإن ما في سفر التكوين من تهافت أو تناقض أو كذب صريح يجعل حكمنا عليه أقسى من حكمنا على ما بعده من أسفار العهد القديم الخمسة الأولى، والتي يسمونها التوراة. ولنا أثناء عرضنا هذه السورة جولة سنراها حول التوراة، كما أن لنا كرات على معان في قصة نوح عليه السلام.
2 -قال ابن كثير(وقد كان بين آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام. قاله ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى قومهم عليهم مساجد، وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادا على تلك الصور. فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين:
ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى - وله الحمد والمنة - رسوله نوحا فأمرهم بعبادة الله لا شريك له.)
3 -وبمناسبة قوله تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال ابن كثير: (وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة - وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا - «يا أيها الناس إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد) .