والمعنى: سلوا ربكم - أيها الناس - حوائجكم بتذلل واستكانة وإسرار واستتار فإنه - سبحانه - يسمع الدعاء ويجيب المضطر، ويكشف السوء، وهو القادر على إيصالها إليكم، وغيره عن ذلك عاجز.
وإنما أمر الله عباده بالإكثار من الدعاء في ضراعة وإسرار، لأن الدعاء ما هو إلا اتجاه إلى الله بقلب سليم، واستعانة به بإخلاص ويقين، لكي يدفع المكروه، ويمنح الخير، ويعين على نوائب الدهر، ولا شك أن الإنسان في هذه الحالة يكون في أسمى درجات الصفاء الروحي، والنقاء النفسي، ويكون كذلك مؤديا لأشرف ألوان العبادة والخضوع لله الواحد القهار، معترفا لنفسه بالعجز والنقص. ولربه بالقدرة والكمال.
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية من آداب الدعاء الخشوع والإسرار واستدلوا على ذلك بأحاديث وآثار متعددة منها ما جاء في الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا وارتفعت أصواتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس،
أربعوا على أنفسكم - أي ارفقوا بها - وأقصروا من الصياح - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا.
إنه معكم. إنه سميع قريب. تبارك اسمه وتعالى جده».
وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل، لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور - أي الزوار - وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم.
وذلك أن الله - تعالى - يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا رضى فعله وهو زكريا فقال: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا.