وقال الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: إن كان خائفا على نفسه من الرياء .. فالأولى إخفاء العمل صونا لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء .. كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به. {إِنَّهُ} سبحانه وتعالى. قرأ ابن أبي عبلة {إن الله} جعل مكان المضمر المظهر. ذكره أبو حيان. {لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ؛ أي: المجاوزين لما أمروا به في الدعاء بترك هذين الأمرين التضرع والإخفاء، وفي كل شيء ، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء .. فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين؛ أي: لا يثيبه ألبتَّة، ولا يحسن إليه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولا أوليا، ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو يرفع صوته بالدعاء صارخا به.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ثم قرأ: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} . أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - ..
وللاعتداء في الدعاء مظاهر شتى:
1 -اعتداء خاص بالألفاظ كالمبالغة في رفع الصوت، والتكلف في صيغ الدعاء.
2 -اعتداء خاص بالمعنى؛ وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد، وطلب إبطال سنن الله في الخلق، أو تبديلها كطلب النصر على الأعداء مع ترك وسائله كأنواع السلاح والعتاد، وطلب الغنى بلا كسب، وطلب المغفرة مع الإصرار على الذنب مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} .