ومن الآيات الكريمة التي تستلفت النظر في هذا الربع ما جاء فيه على لسان أصحاب الجنة في معرض ردهم على أصحاب النار الذين طلبوا منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ومما رزقهم الله {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فها هنا يحدد كتاب الله على لسان أصحاب الجنة تحديدا واضحا الصفات الحقيقية والمميزة للكافرين، ومن سلك مسلكهم من العصاة الضالين، وهذه الصفات لا تعدو الاستغراق في اللهو واللعب، والمبالغة في الغرور والزهو، إلى أقصى الحدود، فعقائد الدين في سلوكهم المنحرف عبارة عن طقوس وشكليات، وشرائع الدين في شريعتهم الباطلة عبارة عن جمود وقيود، وحياتهم القصيرة على وجه الأرض هي بداية الحياة ونهايتها، فلا حياة قبلها ولا حياة بعدها. وأناس سخفاء كهؤلاء يحملون هذه الأفكار البليدة، منحرفين عن فطرة الله، متمردين على نواميسه الخلقية بدءا ونهاية، لا جزاء لهم إلا الحرمان في الآخرة بعد الخسران في الدنيا {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .
بينما المؤمنون الصادقون الذين أسلموا وجوههم لله، فآمنوا
بدينه، وقاموا بممارسة شعائره، وتطبيق شرائعه، واستعدوا للآخرة بالعمل الصالح، دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا جزاهم الحق سبحانه وتعالى خير الجزاء، وخصهم دون غيرهم في الآخرة بالسعادة والهناء، مصداقا لما سبق في الربع الماضي {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، والمراد أن الطيبات من الرزق يتمتع بها المؤمنون في الحال والمآل، أما من نال شهوته عاجلا، وعاقبة النار آجلا، فما ظنه"نعمة"ينقلب عليه"نقمة".