ثم عقب الحق سبحانه وتعالى على جواب أصحاب الجنة لأصحاب النار بما يؤيده ويؤكده، قائلا في شأن أصحاب النار، {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} ومعنى هذه الآية الكريمة أن الكافرين جحدوا آيات الله من جميع الوجوه، وتجاهلوا لقاء يوم القيامة تجاهلا تاما، حتى كأنهم أصيبوا بالذهول والنسيان، فلم يستعدوا ليوم القيامة لا بإيمان ولا بإسلام ولا بإحسان، فعاملهم الله بالمثل، جزاء وفاقا، إذ حرمهم من إحسانه وثوابه، وأعد لهم شديد عقابه، وهذا هو المراد من لفظ النسيان، المسند مجازا إلى الرحمان، في قوله تعالى هنا: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا} وفي قوله تعالى في آية ثانية {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وفي قوله تعالى في آية ثالثة {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} فهو من باب المقابلة، وعلى طريق المشاكلة، وإلا فالحق سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علما، بحيث لا يشذ عن علمه شيء، {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} . قال القاضي عبد الجبار:"ربما قيل في قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} كيف"
يصح؟ والنسيان على الله تعالى لا يصح. وجوابنا أن المراد: فاليوم لا نجازيهم بالحسنى كما لم يحسنوا بالطاعة، وأهل اللغة يستعملون النسيان بمعنى الترك، وحقيقته ما ذكرناه"."