وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ عِنْدَ حُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ بِهِمْ وَوُرُودِهِمْ أَلِيمَ عَذَابِهِ وَمُعَايَنَتِهِمْ تَأْوِيلَ مَا كَانَتْ رُسُلُ اللَّهِ تَعِدُهُمْ: هَلْ لَنَا مِنْ أَصْدِقَاءَ وَأَوْلِيَاءَ الْيَوْمَ، فَيَشْفَعُوا لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا، فَتُنَجِّينَا شَفَاعَتُهُمْ عِنْدَهُ مِمَّا قَدْ حَلَّ بِنَا مِنْ سُوءِ فِعَالِنَا فِي الدُّنْيَا، أَوْ نُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى، فَنَعْمَلَ فِيهَا بِمَا يُرْضِيهِ وَيُعْتِبُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا؟ قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْمَسَاكِينِ هُنَالِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَهِدُوا فِي الدُّنْيَا أَنْفُسَهُمْ لَهَا شُفَعَاءَ تَشْفَعُ لَهُمْ فِي حَاجَاتِهِمْ، فَيَذْكُرُوا ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا خُلَّةَ فِيهِ لَهُمْ وَلَا شَفَاعَةَ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ، يَقُولُ: غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهَا بِبَيْعِهِمْ مَا لَا خَطَرَ لَهُ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ الدَّائِمِ بِالْخَسِيسِ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}
يَقُولُ: وَأَسْلَمَهُمْ لِعَذَابِ اللَّهِ، وَحَادَ عَنْهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَزْعُمُونَ كَذِبًا وَافْتِرَاءً أَنَّهُمْ أَرْبَابُهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا رُفِعَ قَوْلُهُ: {أَوْ نُرَدُّ} ، وَلَمْ يُنْصَبْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: {فَيَشْفَعُوا لَنَا} ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: هَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا، أَوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ. وَلَمْ يُرَدْ بِهِ الْعَطْفُ عَلَى قَوْلِهِ: {فَيَشْفَعُوا لَنَا}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) }