والفتنة - كما علمنا - هي في الأصل الاختبار حتى ننقي الشيء من الشوائب التي تختلط به ، فإذا كانت الشوائب في ذهب فنحن نعلم أن الذهب مخلوط بنحاس أو بمعدن آخر ، وحين نريد أن نأخذ الذهب خالصاً نفتنه على النار حتى ينفض ويزيل عنه ما علق به . كذلك الفتنة بالنسبة للناس ، إنها تأتي اختباراً للإنسان لينقي نفسه من شوائب هذه المسألة ، وليتذكر ما صنع إبليس بآدم وحواء . فإذا ما جاء ليفتنك فإياك أن تفتن ؛ لأن الفتنة ستضرك كما سبق أن الحقت الضرر بأبيك آدم وأمك حواء . والشيطان هو المتمرد على منهج الله من الجن ، والجن جنس منه المؤمن ومنه الكافر . فقد قال الحق سبحانه: {وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ...} [الجن: 11]
والشيطان المتمرد من هذا الجنس على منهج الله ليس واحداً ، واقرأ قول الحق سبحانه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ...} [الكهف: 50]
وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ...} [الأعراف: 27]
و"قبيله"هم جنوده وذريته الذين ينشرهم في الكون ليحقق قَسَمَه: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82]
إذن ففتنة الشيطان إنما جاءت لتخرج خلق الله عن منهج الله ، وحينما عصى إبليس ربّه عزّ عليه ذلك ، فبعد أن كان في قمة الطاعة صار عاصيًّا لأمر الله معصية أَدَّته وأوصلته إلى الكفر ؛ لأنه ردّ الحكم على الله . إن ذلك قد أوغر صدره وأحنقه ، وجعله يوغل ويسرف في عداوة الإِنسان لأنه عرف أن طرده ولعنه كان بسبب آدم وذريته . {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ...} [الأعراف: 27]