وذكر مكيٌّ الاحتمالات الثلاثة: أعني كَوْنَهُ بَدَلاً ، أو بياناً ، أو نعتاً ، ولكن ما بحثه الحُوفِيُّ صحيحٌ من حيث الصِّناعةِ ، ومن حيثُ إنَّ الصَّحيحَ في ترتيب المعارف ما ذكر من كون الإشارات أعرف من ذي الأداة ؛ ولكن قد يُقَالُ: القائلُ بكونه نَعْتاً لا يجعله أعرف من ذِي الألِفِ واللام.
الخامس: جوَّز أبُو البقاءِ أن يكون"لِبَاسُ"مبتدأ ، وخبره محذوف أي: ولباسُ التَّقْوى ساتر عوراتكم وهذا تَقْدِيرٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ.
وإسنادُ الإنزالِ إلى اللِّبَاسِ: إمَّا لأنَّ"أنْزَلَ"بمعنى"خَلَقَ"كقوله: {وَأَنزَلْنَا الحديد} [الحديد: 25] {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] ، وإمَّا على ما يسمِّيه أهل العلم التدريج ، وذلك أنَّهُ ينزِّلُ أسْبَابَهُ ، وهي الماء الذي هو سَبَبٌ في نبات القُطْنِ والكتَّانِ ، والمَرْعى الذي تَأكُلُه البَهَائِمُ ذوات الصُّوف والشَّعَرِ ، والوَبَرِ التي يُتَّخَذُ منها الملابِسُ ؛ ونحوه قول الشاعر: [الرجز]
2446 - أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِنْ سَحَابَهْ...
أسْنِمَةُ الآبَالِ فِي رَبَابَهْ
فجعله جَائِياً للأسنمة التي للإبل مجازاً لمَّا كان سبباً في تربيتها ، وقريب منه قول الآخر: [الوافر]
2447 - إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأرْضِ قَوْمٍ...
رَعَيْنَاهُ وإنْ كَانُوا غَضَابَا
وقال الزَّمَخْشَريُّ: جَعَلَ ما في الأرض منزَّلاً من السماء ؛ لأنَّهُ قضي ثَمَّ وكتب ، ومنه {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [الزمر: 6] .
وقال ابن عطيَّة:"وأيضاً فَخَلْقُ اللَّه وأفعاله ، إنَّما هي من علوٍ في القَدْر والمنزلة"، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه أول الآية.
وفي قراءة عبد الله وأبَيّ"ولِبَاسُ التَّقْوى خَيْرٌ"بإسقاط"ذلك"وهي مقوِّية للقول بالفصل والبدلِ وعَطْفِ البَيَانِ.