فالظاهر أَن المراد بالرسل في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} هم الرسل الذين يبعثهم الله من الإِنس، فيكون الجن مكلفين بالإِيمان بهم، والعمل بشرائعهم كالإِنس.
ومعنى كونهم منهم: أَنهم بعثوا من بين الإِنس والجن. فهم مرئيون لهم مشاهَدون منهم. وليسوا غرباءَ عنهم .. فلا شك أن رسل الإِنس كذلك بالنسبة إِلى الجن.
وقال ابن عباس: رُسُل الجِنِّ، هم الذين بلَّغوا قومهم، ما سمعوه من الوحي ..
ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} .
وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس.
وليس لدينا من السنة ما يثبت ذلك أَو ينفيه. والله أَعلم حيث يجعل رسالته.
والمعنى: يخاطب الله الجن والإِنس - يوم القيامة - موبخا، فيقول: يا جماعة الجن والإِنس، أَلم يأْتكم رسلٌ من بينكم: تعرفون صدقهم وأمانتهم، وتفهمون قولهم، وليسوا غرباءَ عنكم، حتى تنكروا عليهم ما جاءُوكم به ... وهؤلاءِ الرسل كانوا يتلون عليكم آياتي ويُخَوفونَكم لقائى في يومكم هذا؟!
{قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} :
أَي: قال كفار الجن والإِنس - بعد ما سمعوا توبيخ الله لهم - شهدنا على أَنفسنا بأَن رسل الله جاءُونا، فلم نؤمن بهم، ولم نصدق قولهم.
وقد بيَّن الله سبحانه السرّ، فيها اندفعوا إِليه من الكفر والمعاصي ... والمعنى: وخدعتهم الحياة الدنيا فاطمأَنوا إِليها، ورفضوا العمل للآخرة. ذلك الذي دعاهم الرسل إِليه، وشهدوا على أنفسهم في الآخرة - أَسفًا وندما - أنهم كانوا في الذنيا كافرين .... فلذا استحقوا توبيخ الله وعقابه.
131 - {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} :
الإِشارة في قوله: {ذَلِكَ} راجعة إِلى ما تقدم ذكره. من بعثة الرسل إِليهم، وإِنذارهم سوءَ العاقبة.