الرُّسُلَ كُلَّهُمْ مِنَ الْإِنْسِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، كَحَصْرِ الرِّسَالَةِ فِي الرِّجَالِ وَجَعْلِهَا فِي ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ; وَلِذَلِكَ صَرَفُوا النَّظْمَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: (مِنْكُمْ) مِنْ جُمْلَتِكُمْ - لَا مِنْ كُلٍّ مِنْكُمْ ، وَهُوَ يُصَدِّقُ بِرُسُلِ الْإِنْسِ الَّذِينَ تَثْبُتُ رِسَالَتُهُمْ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَذَكَرُوا لَهُ شَاهِدًا مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) (55: 22) بَعْدَ قَوْلِهِ: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) (55: 19) إِلَخْ . أَيِ الْمِلْحُ وَالْحُلْوُ وَهُوَ الْبُحَيْرَاتُ وَكِبَارُ الْأَنْهَارِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِهِمْ أَنَّ الْبِحَارَ الْحُلْوَةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا لُؤْلُؤٌ وَلَا مَرْجَانُ . وَالصَّوَابُ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ يَخْرُجُ مِنْ بَعْضِهَا كَبَعْضِ أَنْهَارِ الْهِنْدِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ قَطْعًا وَاسْتَدْرَكَهُ (سَايِلْ) مُتَرْجِمُ الْقُرْآنِ بِالْإِنْكِلِيزِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ . وَهُوَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ حَقَائِقِ الْأَكْوَانِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْعَرَبِ حَتَّى فِي أَيَّامِ حَضَارَتِهِمْ وَاسْتِعْمَارِهِمْ لِلْأَقْطَارِ . ذَكَرَ هَذَا الشَّاهِدَ ابْنُ جَرِيرٍ وَتَبِعَهُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ: جَمَعَهُمْ كَمَا جَمَعَ قَوْلَهُ: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) (35: 12) وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْهَارِ حِلْيَةٌ انْتَهَى . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ ، وَلَفْظُ هَذِهِ الْآيَةِ أَبْعَدُ عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ آيَةِ الرَّحْمَنِ بَلْ هُوَ