إذا جاء خير الله يصبح نادما ... بما فرط المسكين في زمن البذر
علوم أتت نصا جليا تقدّست ... عن الظنّ والتخمين والحدس والحزر
تجيء وما ينفك عنها مجيئها ... ولكنها تأتيك بالمدّ والجزر
ألا كلّ خلق كان مني تخلقا ... بخلق إلهيّ كريم سوى النذر
فيا شؤمه خلقا فإنّ أداءه ... كمثل أداء الفرض في القسر والجبر
لقد طلعت يوما عليّ غمامة ... تكون لما فيها من الصون كالخدر
فقلت تجلى في غمام علمته ... أتاني به الرحمن في محكم الذكر
فجادت على أركان كوني بأربع ... معارف ألبان وماء ومن خمر
وما أخرجت نحل لنا من بطونها ... مصفّى لنا فيه الشفاء من الضرّ
علوم يقوم الحبر منا بفضلها ... فما هي من زيد يمرّ على عمر
تعالت فلا شخص يفوز بنيلها ... ولا سيما إن كان في ظلمة الحشر
بها ميز الرحمن بين عباده ... غداة غد في موقف البعث والنشر
كما ميز الرحمن بين عباده ... إذا دفنوا في الأرض من ضغطة القبر
فضم لتعذيب وضم تعشق ... فلا بد منه فاعلموا ذاك من شعري
قد اشتركا في الضم من كان ذا وفا ... لما كان في عهد ومن كان ذا غدر
يجيء بأعذار ليقبل عذره ... وليس له يوم القيامة من عذر
ويقبل منه صدقه في حديثه ... ولو جاء يوم العرض بالعمل النزر
لقد عمّ بالطبع العزيز قلوبنا ... فلا يدخلن القلب شيء من النكر
جهلت علوما في حداثة سننا ... وما نلت هذا العلم إلا على كبر
وما خفت من شيء أتاني بغتة ... كخوفي إذا خفنا من النظر الشزر
جرينا به في حلبة الكشف والحجى ... على الصافنات الغر والسبق الضمر
فلما أتينا الصور قال لنا فتى ... ألا إنه الناقور فافزع إلى النقر
فملت إليه في رجال ذوي نهى ... بمحو وإثبات من الصحو والسكر
أهدى كما قال الجنيد بحامل ... فقلت له: أين القعود من البكر
الحبر: العالم الحاذق.
الشّزر: النظر بمؤخر العين، نظر فيه إعراض.
الكشف: الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية.
الصافنات: كناية عن الخيل، ويقال: صفن الفرس إذا قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة.
الناقور: أي الصّور كما في الآية من سورة المدثر: {فَإِذََا نُقِرَ فِي النََّاقُورِ} .
ذوو نهى: عقلاء. السّكر: دهش يلحق سر المحب في مشاهدة جمال المحبوب فجأة.
الجنيد: أبو القاسم الجنيد سيد الصوفية، كان فقيها على مذهب أبي ثور وصحب خاله السري السقطي