الضرب في الأرض: الإبعاد فيها للتجارة ونحوها. والغُزَّى جمع غاز وهو القتل. ولإفراد كونهم غزاة بالذكر - مع اندراجه تحت الضرب في الأرض - لأنه المقصود بيانه.
وذكر الضرب الأرض: توطئة له. وتقديمه؛ لكثرة وقوعه.
على أن الغزو قد يوجد بدون ضرب في الأرض وسفر فيها.
{لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} :
أَي: لو لم يخرجوا وكانوا مقيمين عندنا، ما ماتوا وما قتلوا. وذلك جهل منهم بأن الله قدر الآجال، وأن الضرب في الأرض أو الغزو، لا يكون سبباً في الموت، أو القتل. وهم إنما قصدوا - بذلك - تعويق المؤمنين عن الجهاد.
قال الرازي: وذلك لأن في الطباع محبة الحياة، وكراهية الموت والقتل. فإن قيل للمرء: إذا تحرزت للسفر والجهاد، فأنت سليم طيب العيش، وإن تقحَّمت أحدهما، وصلت إلى الموت أو القتل - فالغالب أن ينفر طبعه عن ذلك، ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في التنفير من الجهاد. أ. هـ.
{لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} :
هذا تعليل لنهي المؤمنين عن مشابهة المنافقين في اعتقادهم ورأيهم.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، لا تكونوا مثل الكافرين - المنافقين - في اعتقاد أن الحذر يمنع من القدر، وأن إخوانهم لو لم يخرجوا من المدينة. لما قتلوا. ولا تمتنعوا عن الجهاد - في أي مكان - تأثروا بما قالوا، ليجهل الله معاصاتكم لهم - فيما أرادوه منكم - سبباً لحسرة بالغة في قلوبهم.
وقيل: إنه متعلق بـ {قالوا} في قوله: {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} ، فتكون اللام للعاقبة. على حد قوله تعالى {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} .
والمعنى: أن الله يجعل ذلك القول حسرة في قلوبهم، حين يرون من قتل منهم، وأنهم فشلوا في صرفهم عن الجهاد.
أو أن هذه الحسرة تكون يوم القيامة، حين يرون ما أعد للمجاهدين من الثواب العظيم.
وما قلناه أولاً أولى.
{وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} :
هذا رد حاسم لمقالتهم. فليس الإحياء والإماتة إلا في يد الله سبحانه. هو مقدِّرُهما .. فالموت يأتي القاعد في بيته متى حان أجله، كما يأتي المجاهد في حربه كذلك. وربما أصابت المنية القاعد، ولم تنزل بالغازي.