هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ؛ فيخرجه من مألوفه فِي ذات نفسه.. إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ؛ وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه:
{قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً. واذكر ربك كثيراً. وسبح بالعشي والإبكار} ..
ويسكت السياق هنا. ونعرف أن هذا قد كان فعلاً. فإذا زكريا يجد فِي ذات نفسه غير المألوف فِي حياته وحياة غيره.. لسانه هذا هو لسانه.. ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه.. أي قانون يحكم هذه الظاهرة؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية.. فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة.. كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر!!!
وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيداً - فِي السياق - لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات.. وإن هو إلا حلقة من سلسلة فِي ظواهر المشيئة الطليقة.. فهنا يبدأ فِي قصة المسيح عليه السلام. وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة..
{وإذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} ..
وأي اصطفاء؟! وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة ، كما تلقاها أول هذه الخليقة:"آدم"؟ وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها؟ إنه الاصطفاء للأمر المفرد فِي تاريخ البشرية.. وهو بلا جدال أمر عظيم..
ولكنها - حتى ذلك الحين - لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم!
والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى. وذلك لما لابس مولد عيسى - عليه السلام - من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة ، معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له فِي عالم الناس فيزعموا أن وراءه سراً لا يشرف.. قبحهم الله!!