لقد استجيبت الدعوة ، ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانوناً. ثم يحسبون أن مشيئة الله - سبحانه - مقيدة بهذا القانون! وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانوناً لا يخرج عن أن يكون أمراً نسبياً - لا مطلقاً ولا نهائياً - فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة ، وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه ، أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة.. فما أجدر الإنسان أن يتأدب فِي جناب الله. وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله ، فلا يخبط فِي التيه بلا دليل ، وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل ، وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطاراً من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل!
ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه - وهل زكريا إلا إنسان على كل حال - واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر؟
{قال: رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟} ..
وجاءه الجواب.. جاءه فِي بساطة ويسر. يرد الأمر إلى نصابه. ويرده إلى حقيقته التي لا عسر فِي فهمها ، ولا غرابة فِي كونها:
{قال: كذلك الله يفعل ما يشاء} ..
كذلك! فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائماً على هذا النحو ؛ ولكن الناس لا يتفكرون فِي الطريقة ، ولا يتدبرون الصنعة ، ولا يستحضرون الحقيقة!
كذلك. بهذا اليسر. وبهذه الطلاقة. يفعل الله ما يشاء.. فماذا فِي أن يهب لزكريا غلاماً وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر؟ إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها ، ويتخذون منها قانوناً! فأما بالقياس إلى الله فلا مألوف ولا غريب.. كل شيء مرده إلى توجه المشيئة ، والمشيئة مطلقة من كل القيود!
ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى ، ولدهشة المفاجأة فِي نفسه ، راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها:
{قال: رب اجعل لي آية...} ..